ابن المقفع

140

آثار ابن المقفع

فألقوه عليها وجعلوا ينفخون بأفواههم ويتروحون « 1 » بأيديهم طمعا في أن يوقدوا نارا يصطلون « 2 » بها من البرد . وكان قريبا منهم طائر على شجرة ينظرون إليه وينظر إليهم ، وقد رأى ما صنعوا فجعل يناديهم ويقول : لا تتعبوا فإن الذي رأيتموه ليس بنار . فلما طال ذلك عليه عزم على القرب منهم لينهاهم عما هم فيه ، فمر به رجل فعرف ما عزم عليه فقال له : لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم ، فإن الحجر الصلب الذي لا ينقطع لا تجرب عليه السيوف ، والعود الذي لا ينحني لا تعمل منه القوس ، فلا تتعب . فأبى الطائر أن يطيعه وتقدم إلى القردة ليعرفهم أن اليراعة ليست بنار ، فتناوله بعض القردة فضرب به الأرض فمات . فهذا مثلك معي في ذلك . ثم قد غلب عليك الخب « 3 » والفجور « 4 » وهما خلتا « 5 » سوء ، والخب شرهما عاقبة ، ولهذا مثل . - قال دمنة : وما ذلك المثل ؟ مثل الخبّ والمغفل قال كليلة : زعموا أن خبّا « 6 » ومغفلا اشتركا في تجارة وسافرا . فبينما هما في الطريق تخلف « 7 » المغفل لبعض حاجته فوجد كيسا فيه ألف دينار فأخذه . فأحس به الخب فرجعا إلى بلدهما حتى إذا دنوا من المدينة قعدا لاقتسام المال . فقال المغفل : خذ نصفه وأعطني نصفه ، وكان الخب قد قرر في نفسه أن يذهب بالألف جميعها . فقال : لا نقتسم ، فإن الشركة والمفاوضة أقرب إلى الصفاء والمخالطة ، ولكن آخذ نفقة وتأخذ مثلها وندفن الباقي في أصل هذه الشجرة فهو مكان

--> ( 1 ) يتروحون : يجلبون الريح . ( 2 ) يصطلون بها : يتدفأون . ( 3 ) الخب : الخبث والخداع . ( 4 ) الفجور : الكذب والعصيان . ( 5 ) خلة : خصلة . ( 6 ) الخب : الخبيث والمخادع . ( 7 ) تخلف : تأخر .